أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
124
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الفاعل . « الْهُونِ » : الهوان ، قال تعالى : أَ يُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ « 1 » ، وقال ذو الإصبع : 1996 - عنّي إليك فما أمّي براعية * ترعى المخاض ولا أغضي على الهون وقالت الخنساء : 1997 - تهين النّفوس ، وهون النّفو * س يوم الكريهة أبقى لها « 2 » أضاف « العذاب » إلى « الْهُونِ » إيذانا بأنه متمكن فيه ، وذلك أنه ليس كلّ عذاب يكون فيه هون ، لأنه قد يكون على سبيل الزجر والتأديب ، ويجوز أن يكون من باب إضافة الموصوف إلى صفته ، وذلك أن الأصل : « العذاب الهون ، ووصفه به مبالغة » ثم أضافه إليه على حد إضافته في قولهم : بقلة الحمقاء ، ونحوه . ويدل على أن « الْهُونِ » بمعنى الهوان قراءة عبد اللّه وعكرمة له كذلك . قوله : « بِما كُنْتُمْ » ، مصدرية ، أي : كونكم قائلين غير الحق ، وكونكم مستكبرين ، والباء متعلقة ب « تُجْزَوْنَ » ، أي : بسببه . و « غَيْرَ الْحَقِّ » نصبه من وجهين : أحدهما : أنه مفعول به ، أي : تذكرون غير الحق . والثاني : أنه نعت مصدر محذوف ، أي : تقولون القول غير الحقّ . وقوله : « وَكُنْتُمْ » يجوز فهي وجهان : أحدهما - وهو الظاهر - : أنه عطف على « كُنْتُمْ » الأولى ، فتكون صلة ل « ما » كما تقدم . والثاني : أنها جملة مستأنفة ، سيقت للإخبار بذلك . و « عن آيات » متعلّق بخبر « كان » ، وقدم لأجل الفواصل . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 94 ] وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ( 94 ) قوله : فُرادى . منصوب على الحال من فاعل « جِئْتُمُونا » . و « جِئْتُمُونا » فيه وجهان : أحدهما : أنه بمعنى المستقبل ، أي : تجيئوننا ، وإنما أبرزه في صورة الماضي لتحققه ، كقوله تعالى : أَتى أَمْرُ اللَّهِ « 3 » ، وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ « 4 » . والثاني : أنه ماض ، والمراد به حكاية الحال بين يدي اللّه تعالى يوم يقال لهم : ذلك ، فذلك اليوم يكون مجيئهم ماضيا بالنسبة إلى ذلك اليوم . واختلف الناس في « فُرادى » هل هو جمع أم لا ؟ والقائلون بأنه جمع ، اختلفوا في مفرده ، فقال الفراء : « فُرادى » جمع فرد ، وفريد ، وفرد ، وفردان . « فجوز أن يكون جمعا لهذه الأشياء . وقال ابن قتيبة : « هو جمع فردان ، وكسكران وسكارى ، وعجلان وعجالى » . وقال قوم : هو جمع « فريد » ك « رديف » ، وردافى وأسير وأسارى ، قاله الراغب . وقيل : هو جمع « فرد » بفتح الراء ، وقيل بسكونها ، وعلى
--> ( 1 ) سورة النحل ، آية ( 59 ) . ( 2 ) ليس في ديوان الخنساء انظر شرح الحماسة ( 1 / 140 ) ، الأغاني ( 13 / 136 ) ، اللسان ( هون ) . ( 3 ) سورة النحل ، آية ( 1 ) . ( 4 ) سورة الأعراف ، آية ( 44 ) .